“سقط الأسد… لكن أبواب الجحيم ما زالت مفتوحة”
شهادات توثق استمرار التعذيب والعنف الجنسي والانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز السورية بعد سقوط النظام السابق
تقرير صادر عن
الآلية السورية للتحقيق
مقدمة
لعقود طويلة، ارتبطت السجون والأفرع الأمنية السورية بالخوف والرعب والتعذيب الممنهج. كان السوريون يطلقون على بعض الفروع الأمنية أسماء تكفي وحدها لبث الذعر في النفوس. ومع سقوط نظام بشار الأسد، اعتقد كثيرون أن تلك المرحلة انتهت، وأن أبواب المعتقلات التي ابتلعت عشرات آلاف السوريين قد أُغلقت إلى الأبد
إلا أن الشهادات التي حصلت عليها “الآلية السورية للتحقيق” ترسم صورة مختلفة ومروعة؛ صورة تشير إلى أن بعض الممارسات التي عُرفت بها أجهزة النظام السابق لا تزال مستمرة داخل عدد من مراكز الاحتجاز والسجون، بما في ذلك
التعذيب الجسدي والنفسي
العنف الجنسي
الإهانات الممنهجة
الاعتداء على النساء والأطفال
الاحتجاز في ظروف غير إنسانية
واستخدام الخوف والترهيب كأداة لإخضاع المحتجزين.
استمعت الآلية السورية للتحقيق إلى شهادات مباشرة لناجين وناجيات من الاحتجاز في
فرع الأمن الجنائي
سجن كفرسوسة
سجن جرمانا
والمزة السياسية
وقد تم تغيير أسماء الشهود حفاظاً على أمنهم وسلامتهم
أولاً: فرع الأمن الجنائي — “ضربوا بناتي أمامي وأنا مكبلة”
بداية الاعتقال
تقول الشاهدة التي سنشير إليها باسم “ريما” إنها اقتيدت إلى فرع الأمن الجنائي بقيادة رئيس القسم محمد الزعبي، المعروف باسم “أبو محمد”، وذلك بطلب من النائب العام حسام خطاب، المعروف باسم “أبو ثائر”
وبحسب إفادتها، فإن المساعد نصر الزامل، المعروف باسم “أبو نزار”، ادعى تبليغها بوجوب المثول أمام الفرع، لكنها تؤكد أنها لم تتبلغ أصولاً، مشيرة كذلك إلى وجود المساعد إسماعيل الزعبي ضمن العناصر الذين أشرفوا على توقيفها
تقول ريما إن التحقيق مُدد لمدة 48 ساعة، لكن ما عاشته داخل الفرع بحسب وصفها لم يكن تحقيقاً، بل “حفلة إذلال وتعذيب”
“كان يلوّح بالحذاء ويبصق علي”
تصف ريما الأجواء داخل الفرع بأنها قائمة على الرعب والإهانة المستمرة
وتقول
كان رئيس القسم محمد الزعبي يلوّح بحذائه بوجهي، ويبصق علي ويشتمني، ثم صفعني على وجهي وانا مكبلة حتى أدمى وجهي
وتضيف أن الخوف داخل الفرع كان مسيطراً على الجميع، وأن أي اعتراض أو حتى طلب بسيط قد يتحول إلى سبب للضرب أو الإهانة
“جاؤوا بناتي ليستلموا أماناتي… فتحولت الزيارة إلى جلسة تعذيب”
تقول ريما إن ابنتيها حضرتا إلى فرع الأمن الجنائي فقط لاستلام أماناتها الشخصية، إلا أن ما حدث بحسب روايتها تحول إلى مشهد تعذيب سادي
وبحسب شهادتها، قامت المساعدة ميرفت الرعد مع المساعد إسماعيل الزعبي بمحاولة الاستيلاء على بعض أماناتها، قبل أن يتطور الأمر إلى اعتداء جسدي مباشر على ابنتيها
وتروي ريما
بدأت ميرفت الرعد بضرب ابنتي القاصر وشد شعرها ثم رمتها على الأرض. بعدها ضربت ابنتي الأخرى على وجهها وصدرها
وتضيف
تدخل إسماعيل الزعبي وشارك بضرب بناتي أمامي، ثم بدأوا بضربي أنا أيضاً
وتقول إن رئيس القسم محمد الزعبي تدخل شخصياً في الاعتداء
بدأ بضربي على وجهي بعنف شديد حتى وقعت نظارته من شدة الضرب
“أكثر من خمسة رجال يضربون أمّاً مقيدة وطفلتين”
تصف ريما اللحظات التالية بأنها من أكثر ما عاشته رعباً في حياتها
وتقول
تحول المكان إلى جلسة تعذيب كاملة. أكثر من خمسة رجال إضافة إلى مساعدة امرأة ينهالون بالضرب على أم مقيدة وبناتها، إحداهما طفلة
وتتابع
أمعنوا في ضربنا على وجوهنا وشد شعر ابنتيّ أمامي وضربوهما على وجوههما وصدورهما، ما تسبب بجروح وآثار زرقاء
كما تؤكد أن القيود الحديدية كانت جزءاً من عملية التعذيب نفسها، مضيفة
كادت يداي تنقطعان من شدة الضغط. تحول لون يدي إلى البنفسجي، وكانت ميرفت الرعد تتعمد الضرب فوق القيود وكأنها تمتلك خبرة بالتعذيب
وتقول إن ما تعرضت له تسبب لها بمشكلات عصبية وعظمية ما تزال تعاني منها حتى اليوم
“هددوا أولادي بالاعتقال”
تضيف ريما أن العناصر هددوا أبناءها الآخرين بالاعتقال لإجبارها على الخضوع الكامل
وتقول
توسلت لهم ألا يعتقلوا أولادي. أحد الموجودين تدخل، وإلا كانوا سيفعلونها
وتضيف أن ما جرى ربما كان مرتبطاً بمحاولة سرقة مصاغها الذهبي
وفي وصفها لطبيعة السلطة داخل الفرع، قالت
إنها دولة أبو عثمان وأبو سليمان وأبو ثائر وأبو محمد وأم البراء
“لفقوا ضبطاً لتبرير التعذيب”
بحسب المعلومات التي حصلت عليها الآلية السورية للتحقيق، جرى لاحقاً تنظيم ضبط رسمي يتهم ابنتي ريما بالاعتداء على عناصر الشرطة داخل الفرع
غير أن عملية التحقق الأولية لم تجد ما يدعم تلك الرواية، خاصة مع التساؤلات المنطقية حول إمكانية قيام فتاتين، إحداهما طفلة قاصر، بمهاجمة رئيس فرع أمني وعدد كبير من العناصر داخل مقر أمني مغلق ومسلح
وترى الآلية أن هذه الخطوة قد تكون محاولة لتبرير أعمال العنف التي وقعت داخل الفرع
ثانياً: سجن كفرسوسة نساء يختفين خلف الجدران
“أخذوا كل شيء… حتى الزيارة”
بعد نقلها إلى سجن كفرسوسة، تقول ريما إنها جُردت من مقتنياتها الشخصية بالكامل، ومنعت من الزيارة والتواصل الخارجي
وتشير شهادات متقاطعة حصلت عليها الآلية السورية للتحقيق إلى أن عدداً كبيراً من النساء كنّ محتجزات في عزلة شبه كاملة عن العالم الخارجي
وبحسب الشهادات
يضم قسم النساء ست غرف فقط
يوجد داخله أكثر من 125 موقوفة
مع حمام واحد فقط
واضطرار نساء للنوم في الممرات بسبب الاكتظاظ
كما تحدثت الإفادات عن وجود غرفتين تعرفان باسم غرف “VIP” إحداهما تحتوي على حمام خاص والأخرى على سخانة مياه، مع منع السجينات من الحديث عنهما أو طلب النقل إليهما
“كنت أسمع الرجال يُعذبون”
تقول ريما
كنا نسمع أصوات تعذيب الرجال من الطرف الآخر للسجن. كانت الأصوات تشتد أثناء التحقيق بشكل لا يمكن تحمله أو وصفه
وفي شهادة أخرى، تقول شاهدة سنشير إليها باسم “مايا” إنها لم تعد قادرة على تحمل صرخات التعذيب، فبدأت بالصراخ احتجاجاً
وتضيف
رفع المحقق السلاح بوجهي وهددني بالقتل
وبحسب شهادتها، فقدت القدرة على الكلام لما يقارب شهراً كاملاً بعد الحادثة، قبل أن تستعيد قدرتها على الحديث بصعوبة
“حامل… ثم سجينة”
وثقت الآلية شهادة لامرأة سنشير إليها باسم “رانيا”، قالت إنها تعرضت للاحتجاز وهي حامل بعد محاولتها تقديم شكوى ضد عنصر أمني
وبحسب روايتها، فإن العنصر الذي قالت إنه كان سابقاً ضمن اللجان الشعبية اعتدى عليها لفظياً وجسدياً، ثم هددها بإخفائها هي وزوجها إذا تحدثت
وتقول
“دفعني فوقعت على يدي وتمزقت”
وعندما وصلت إلى قسم كفرسوسة، تحدثت مع أحد السجانين المعروف باسم “أبو ربيع” طالبة المساعدة
لكنها تقول إنه أجابها
“عناصرنا لا يكذبون… ورح نربيكي”
وتضيف
“بعد يومين كنت أنام في الكاريدور. صرخت لأنني حامل وأستحق معاملة أفضل، فتلقيت صفعة على وجهي ثم بدأ يتحرش بجسدي”
ثالثاً: “الشبح” التعذيب حتى الانهيار
تروي ريما حادثة تعذيب تعرضت لها إحدى السجينات بعد أن طلبت سيجارة أثناء وجودها داخل سجن المحكمة
وتقول
“قام أربعة سجّانين بشبحها وانهالوا عليها بالضرب حتى فقدت وعيها”
وبحسب الشهادة، بقيت المرأة “مشبوحة” لمدة قاربت 12 ساعة كاملة، قبل أن تُترك عاجزة عن الحركة لشهر تقريباً
رابعاً: التحرش الجنسي داخل الأمن الجنائي في ريف دمشق
“إن لم تعترفي… ستكون لنا ليلة حمراء”
تقول شاهدة سنشير إليها باسم “وعد” إنها اعتُقلت بتهمة تعاطي مواد مخدرة، ونقلت أولاً إلى سجن جرمانا ثم إلى الأمن الجنائي في ريف دمشق
وتقول إن أحد العناصر، المعروف باسم “أبو حسين”، لم يقتنع باعترافها بتعاطي الحشيش، وأصر على اتهامها بالاتجار بالمخدرات
وتضيف
“كبلني بشدة وبدأ يضربني بكابل كهربائي”
ثم تتابع
“بعد أن بدأت أصرخ بشكل هستيري، انحنى نحوي وأنا على الأرض وقال: وجعتك يا حلوة؟”
وتقول إنه
لمس رأسها وظهرها وصدرها
وضع وجهه قريباً جداً من وجهها
وهددها بالاعتداء الجنسي
وتضيف
قال لي إن لم أقر بكل ما يريد سيكون لنا ليلة حمراء معاً لقد كان وجهه قريب من وجهي حتى استطعت ان اشم رائحة فمه ودققت باسنانه الصفراء
وتقول إنها خرجت لاحقاً بكفالة بعد تدخل عائلتها وتوكيل محامٍ
خامساً: المزة السياسية — “حفلات الاستقبال ما تزال قائمة”
أفاد شاهد سنشير إليه باسم “أحمد” بأنه احتُجز داخل المزة السياسية على خلفية مشاجرة
ويقول
“أول ما طلبوه منا هو خلع ثيابنا أثناء المرور بين الزنازي”
ويضيف:
“بقينا بالملابس الداخلية فقط، ثم بدأت حفلة الاستقبال”
وبحسب شهادته
شارك أكثر من سبعة عناصر في ضرب الموقوفين
باستخدام السياط والكابلات
مع توجيه شتائم وإهانات متواصلة
ويقول إن الضرب استمر لأكثر من ربع ساعة دون توقف
سادساً: ولادة في السجن كنا نسمع بكاء طفل حديث الولادة بين الزنازين
تحدث شاهد سنشير إليه باسم “إحسان” وهو طالب جامعي في جامعة حمص، عن فترة احتجازه داخل أحد مراكز الاحتجاز في منطقة حارم، بعد نقله من مدينة حمص حيث بقي محتجزاً لمدة أربعة أيام
ويقول إحسان
“بعد نقلي من حمص، وضعوني داخل سيارة وأنا معصوب العينين. بقيت السيارة تسير ما بين ست إلى سبع ساعات، ولم أكن أعرف إلى أين يتم نقلي
ويضيف أنه لم يعرف موقع السجن في البداية، قبل أن يكتشف لاحقاً أنه في منطقة حارم، موضحاً
عرفت أننا في حارم لأن الخبز الذي كانوا يقدمونه لنا كان مكتوباً عليه: فرن حارم
وبحسب شهادته، كان المحتجزون يعيشون في ظروف شديدة القسوة والاكتظاظ، حيث قال
كنا 36 شخصاً داخل غرفة مساحتها أربعة أمتار بأربعة أمتار فقط
ويؤكد إحسان أن الضرب والتعذيب كانا يمارسان بشكل متكرر داخل السجن، مضيفاً
كانوا يضربوننا بشكل كبير باستخدام العصاية الخضراء، أو ما كانوا يسمونه الأخضر الإبراهيمي، وهي عبارة عن أنبوب بلاستيكي يُستخدم لضرب الموقوفين
ويتابع
كانوا يركزون الضرب على أسفل ظهري، ما تسبب لي بمشاكل دائمة ما تزال ترافقني حتى اليوم
كما أشار إلى أن المحتجزين كانوا يخضعون لزيارات متكررة من مشايخ قال إنهم يتبعون لمنظمة تُدعى “وذكر”
وبحسب إفادته، كانت مهاجع النساء قريبة من قسم الرجال، الأمر الذي جعل أصوات التعذيب تصل إليهم بشكل مستمر، إلا أن حادثة معينة بقيت راسخة في ذاكرته، وهي ولادة طفل داخل السجن
ويقول إحسان
في إحدى الليالي، كنا نائمين عندما بدأنا نسمع صراخ امرأة بشكل هستيري. لم نكن نعرف ما الذي يحدث، ثم هدأ صوتها فجأة، وبعدها بدأنا نسمع بكاء طفل صغير
ويضيف
“علمنا لاحقاً أن المرأة ولدت داخل السجن”
ويتابع قائلاً
“بقيت بعد ذلك أربعة أشهر داخل سجن حارم، وكنت أستمر بسماع صوت الطفل، ما يدل على أنه وُلد وبقي داخل السجن
وفي ختام شهادته، قال إحسان إنه تمكن من الفرار لاحقاً أثناء نقله مع موقوفين آخرين إلى حمص، موضحاً
“أثناء الطريق تعرض الباص الذي كنا داخله لهجوم، فقُتل عدد من العناصر، بينما تمكن آخرون من الفرار، وكنت من بينهم”
التقييم القانوني
تشير الوقائع الواردة في هذا التقرير، في حال ثبوتها، إلى احتمال ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما يشمل
التعذيب
المعاملة القاسية أو اللاإنسانية
العنف الجنسي
تعذيب الأطفال
الاحتجاز التعسفي
والإخفاء القسري
وتخالف هذه الأفعال
اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
اتفاقية حقوق الطفل
قواعد مانديلا الخاصة بمعاملة السجناء
كما أن الطبيعة المتكررة والمنهجية لبعض الوقائع قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي
خاتمة
تكشف الشهادات التي وثقتها الآلية السورية للتحقيق أن كثيراً من السوريين الذين اعتقدوا أن سقوط نظام الأسد سيعني نهاية التعذيب والسجون السرية، وجدوا أنفسهم أمام واقع مختلف وأكثر قسوة مما توقعوا
ففي الأفرع ذاتها، والزنازين ذاتها، ما تزال بحسب الشهادات أساليب الإذلال والتعذيب والعنف الجنسي تُمارس ضد المحتجزين، بما في ذلك النساء والأطفال
وبينما تغيرت أسماء السلطات والشعارات، يبدو أن الخوف الذي حكم السجون السورية لعقود لم يسقط بالكامل بعد
الآلية السورية للتحقيق

